كان طفلاً ولكن الصغر ما عرف طريقه يوماً، يستكشف الدنيا كأي طفل عادي فتعبث أنامله بكتاب يقتنيه أبوه وحينما يساله لمَ لم اجد لديك غيره فيقول: إن مؤلفه صاحبي.
أب منشغل بالتجارة والحسابات في عصر طبيعي هادئ، لا يقرأ في أوقات فراغه إلا القرآن الكريم وكتاب صديقه المويلحي "حديث عيسى بن هشام" فتربى عليهما الطفل النجيب فنما خياله وشرب من مشارب مشبعة بالبناء واللغة والمعنى. عرف التصوف باب قلبه من مجاورة الأولياء وآل البيت بحكم النشأة والمكان، فقد باشر حياة الحارة عن قرب ومزج نفسه فيها ومزجها في نفسه، فقد استولى المكان على وجدانه بعبقه وتاريخه وأساطيره ومبانيه وقصوره ومساجده وأسبلته.
الجمالية.. وما أدراك ما الجمالية هي مصر القديمة برائحة الأولياء والصالحين والمماليك الطامعين في السلطة والمجد. والصانعين لكثير من الحروب والمؤمرات والانتصارات؛ مزيج من الخير والشر، والرحمة والظلم، والبعد والقرب، الدراويش يزهدون في الدنيا وزخرفها والأمراء يعبثون بها في قصورهم وبينهم التكايا يلجأ إليها الجائع ويحتمي بها الخائف وينام في كنفها الغريب..
أي مكان هذا؟
يتعارك فيه الفتوات وتتهاوى فيه النبابيت والهروات لتسحق الرؤوس وتبدد أحلام الحرافيش في لقمة عيش غير مغموسة في ذل وغير ضائعة بين الاتاوات والضرائب والمكوس.. وتقف التكية وسط كل هذا تصدر منها ترانيم الدراويش تنعش الأنفس والأبدان وتملأ الدنيا بالإيمان بأن خلف كل هذا رب صبور، يعطي النجاة لمن يريد ويذيق الهلاك لمن يشاء..
كان طفلا هادئا لا يميل الى اللعب مع اترابه، ولكنه يميل الى مجالس الكبار يستمع ويتامل ويتعلم وقد يكون السبب الرئيس في نزعته تلك أنه أصغر الأبناء بالإضافة إلى أن المسافة العمرية بينه وبين أخيه الذي يكبره تتجاوز العشر سنوات، يتمتع بسماع حكايا الكبار حتى وان خانتهم الذاكرة وقصوا حكاياهم أكثر من مرة كان يدرب نفسه أن يتسمع لها بالشغف ذاته، فقد أخبره أبيه أن سبب تسميته بهذا الاسم ما كان إلا عرفانا للطبيب الذي ساعد أمه في ولادته المتعسرة، جئت الى الدنيا بولادة متعسرة ولكن أفكارك كانت تاتي إليها بولادة طبيعية يسيرة، امتلا عقلك بالحكايات وامتلأت نفسك بالسمو فكنت ترسم الشخصية كما يتنفس الآخرون،
ها هو يسير في حارة الكبابجي بدرب قرمز وهو ابن الرابعة من عمره متابطا لوحه في طريقه إلى كُتاب الشيخ بحيري
ليصحو عقله ووجدانه على القرآن كمعظم ابناء جيله، وفي مدرسة بين القصرين الابتدائية يقضي مرحلته الاولى في التعلم وهو مازال مصرا على اكتشاف العالم من خلال حارات الجمالية، تلك المنطقة التي سميت على إسم بدر الدين الجمالي، هو ذلك المملوك الأرميني الذي استدعاه المستنصر بالله من الشام لينقذ مصر من المجاعات والحروب، وبالطبع لن تمر آثار هذه الأقوام من أمام عيون بطلنا ليل نهار ولا يسأل ويقرأ ويكتشف بل ويعيد صياغة ما قيل بأسلوب أدبي حكائي فلسفي فريد؛ ألا تذكرك "مئذنة جلال الناجي" في ملحمته الخالدة الحرافيش بمشهد الجيوشي الذي بناه بدر الدين الجمالي على المقطم؟
نعم فكلما وقفت أمام باب النصر وباب الفتوح أو قررت التسكع في حارة العطوف لوجدت ما قرأته سابقا في روايات بطلنا خالد الذكر يتجسد أمامك في البنايات والآثار..
وكما أن التاريخ كان شغله الشاغل فكان الإنسان هو همه الحقيقي فبات يكتب من هذا لهذا..
إنه عملاق الرواية العربية نجيب محفوظ طيب الله ثراه.
إبراهيم معوض

إرسال تعليق